المصالحة والوساطة قبل قيد الدعوى

المصالحة والوساطة قبل قيد الدعوى: من خطوة ودّية إلى مسار نظامي

لم تعد المصالحة والوساطة في القضايا التجارية مجرد محاولة ودّية تُترك لمبادرة الأطراف، بل تحوّلتا إلى مسار نظامي منظم يسبق اللجوء إلى القضاء في طيف واسع من المنازعات. فقد نص نظام المحاكم التجارية صراحة على أن بعض الدعاوى لا تُقيد إلا بعد المرور بإجراءات المصالحة أو الوساطة لمدة أصلية لا تتجاوز (30) يومًا، قابلة للتمديد باتفاق الأطراف، وهو ما يعكس رغبة المشرّع في تخفيف أعباء التقاضي وتسريع الوصول إلى حلول تحفظ الحقوق وتقلل الكلفة، وتدعم استمرار العلاقات التعاقدية متى أمكن.

وتستلزم هذه الإجراءات إخطار المدعى عليه مسبقًا، متضمناً بيانات الأطراف وموضوع النزاع والطلبات والمستندات المؤيدة، كما يُعتد بمحاولة التسوية – سواء عبر مركز المصالحة أو الوساطة – مقام الإخطار، بشرط مضي (15) يومًا المنصوص عليها نظامًا قبل القيد. ويجب على المدعي إرفاق ما يثبت ذلك مع صحيفة الدعوى، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في اللائحة (ومنها الدعاوى اليسيرة والطلبات المستعجلة). فالإخلال بهذه المتطلبات قد يترتب عليه آثار إجرائية تؤثر في قبول الدعوى.

أما الدعاوى اليسيرة فقد خصّها النظام بمعيار مختلف، إذ يجب أن يسبق نظرها مصالحة أو وساطة بحد أقصى (15) يومًا، وهو فارق جوهري ينبغي أن يضعه الممارسون في حسبانهم. ولا يقف الأمر عند مرحلة ما قبل القيد؛ إذ يجوز للمحكمة، بعد تسجيل الدعوى، إحالة الخصوم إلى المصالحة أو الوساطة في أي مرحلة متى وافقوا على ذلك. وفي حال توصل الأطراف إلى اتفاق، يُثبت بمحضر صلح يُذَيّل بالصيغة التنفيذية ليكتسب قوة السند التنفيذي وتنقضي به الدعوى.

وعمليًا، ينصح كل طرف قبل الدخول في هذه الإجراءات بإعداد ورقة أهداف تفاوضية تحدد الحد الأدنى المقبول، وتضع بدائل واقعية للتنفيذ، مع توثيق جميع الخطوات لضمان استثمار الوقت بكفاءة. فالنتيجة إما تسوية تحقق قيمة مضافة وتحافظ على العلاقة التجارية، أو فشل موثق يُمهّد لمسار قضائي أكثر فاعلية وأقل تعقيدًا.

المصالحة والوساطة قبل قيد الدعوى
المصالحة والوساطة قبل قيد الدعوى

مراجع الحسابات بين الإلزام وحسن التدبير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *